فصل: الخبر عن نكبة ابن أبي الحسين واستبداد ابن الحببر علي الدولة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن انتقاض أهل الجزائر وفتحها

كان أهل الجزائر لما رأوا تقلص ظل الدولة عن زناتة وأهل المغرب الأوسط حدثوا أنفسهم بالاستبداد والقيام على أمرهم وخلع ربقة الطاعة من أعناقهم فجاهروا بالخلعان‏.‏وسرح السلطان إليهم العساكر سنة تسع وستين وأوعز إلى صاحب ثغر بجاية وهو أبو هلال عياد بن سعيد الهنتاني فزحف إليها في عساكر الموحدين سنة إحدى وسبعين ونازلها مدة حول‏.‏وامتنعت عليه فأقلع عنها ورجع إلى بجاية وهلك بمعسكره ببني ورا سنة ثلاث وسبعين‏.‏ثم إن السلطان صرف عزمه إلى منازلتهم سنة أربع وسبعين وسرح إليهم العساكر في البر وأنفذ الأساطيل في البحر وعقد على عسكر تونس لأبي الحسن بن ياسين وأوعز إلى عامل بجاية بإنفاذ عسكر آخر فأنفذه لنظر أبي العباس بن أبي الأعلام ونهضت هذه العساكر براً وبحراً إلى أن نازلتها وأحاطت بها من كل جانب واشتد حصارها‏.‏ثم اقتحمت عنوة واستحر فيهم القتل وانتهبت المنازل وافتضح الكرائم في أبكارهن‏.‏وتقبض على مشيخة البلد فنقلوا إلى تونس مصفدين واعتقلوا بالقصبة إلى أن سرحهم الواثق بعد مهلك السلطان‏.‏

  الخبر عن مهلك السلطان المستنصر ووصف شيء من أحواله

كان السلطان بعد فتح الجزائر قد خرج من تونس للصيد وتفقد العمالات فأصابه في سفره مرض ورجع إلى داره واشتدت علته وكثر الإرجاف بموته‏.‏وخرج يوم الأضحى سنة خمس وسبعين يتهادى بين رجلين ورجلاه لا يخطان الأرض‏.‏وجلس للناس في منبر متجلداً‏.‏ثم دخل بيته وهلك لليلته رضوان الله عليه وكان شأن هذا المستنصر في ملوك آل أبي حفص عظيماً‏.‏وشهرته طائرة الذكر بما انفسح أمد سلطانه ومدت إليه ثغور القاصية من العدوتين يد الاعتصام به‏.‏وما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على أبيه وخصوصاً الأندلس من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أروع وشجاع أهيس متفيئين ظل ملكه متناغين في اللياذ به لطموس معالم الخلافة شرقاً وغرباً على عهده وخفوت صوت الملك إلا في إيوانه‏.‏فقد كان الطاغية التهم قواعد الملك بشرق الأندلس وغربها فأخذت قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وبلنسية سنة ست بعدها وإشبيلية سنة ست وأربعين‏.‏واستولى الططر على بغداد دار خلافة العرب بالمشرق وحاضرة الإسلام سنة ست وخمسين وانتزع بنو مرين ملك بني عبد المؤمن‏.‏واستولوا على حضرة مراكش دار خلافة الموحدين سنة ثمان وستين كل ذلك على عهده وعهد أبيه ودولتهم أشد ما كانت قوة وأعظم رفاهية وجباية وأوفر قبيلا وعصابة وأكثر عساكر وجنداً فأمله أهل العالم للكرة وأجفلوا إلى الإمساك بحقويه‏.‏وكانت له في الأبهة والجلال أخبار وفي الحروب والفتوح آثار مشهورة وفي أيلمه عظمت حضارة تونس وكثر ترف ساكنها‏.‏وتأنق الناس في الملابس والمراكب والمباني والماعون والأبنية فاستجادوها وتناغوا في اتخاذها وانتقائها إلى أن بلغت غايتها‏.‏ثم رجعت من بعده أدراجها والله مالك الأمور

  الخبر عن بيعة الواثق يحيي بن المستنصر وهو المشهور بالمخلوع وذكر أحواله

لما هلك السلطان المستنصر سنة خمس وسبعين كما قدمناه اجتمع الموحدون وسائر الناس على طبقاتهم إلى ابنه يحيى فبايعوه ليلة مهلك أبيه وفي غدها وتلقب الواثق‏.‏وافتتح أمره برفع المظالم وتسريح أهل السجون وإفاضة العطاء في الجند وأهل الديوان وإصلاح المساجد وإزالة كثير من الوظائف عن الناس‏.‏وامتدحه الشعراء فأسنى جوائزهم وأطلق عيسى بن داود من اعتقاله ورده إلى حاله‏.‏وكان المتولي لأخذ البيعة على الناس والقيام بأمره سعيد بن يوسف بن أبي الحسين لمكانه من الدولة ورسوخه في الشهرة فقام بالأمر ولم يزل على ذلك إلى أن نكبه وأدال منه بالحببر‏.‏

  الخبر عن نكبة ابن أبي الحسين واستبداد ابن الحببر علي الدولة

كان هذا واسمه يحيى بن عبد الملك الغافقي وكنيته أبو الحسن أندلسياً من أعمال مرسية وفد مع الجالية من شرق الأندلس أيام استيلاء العدو وكان يحسن الكتاب ولم يكن له من الخلال سواها فصرف في الآعمال ثم ارتقى إلى خدمة ابن أبي الحسين فاستكتبه ثم رقاه إلى ولاية الديوان فعظمت حاله وكانت له أثناء ذلك مداخلة للواثق ابن السلطان اعتدها له سابقة‏.‏فلما استوسق الأمر للواثق رفع منزلته واختصه بالشورى وقلده كتاب علامته‏.‏وكان سعيد بن أبي الحسين مزاحماً له منافساً لما كان أسف منه بقدميه‏.‏فأغرى به السلطان ورغبه في ماله فتقبض على سعيد بن أبي الحسين لستة أشهر من الدولة سنة ست وسبعين واعتقل بالقصبة‏.‏وتقبض على نقله ابن ياسين وابن صياد الرجالة وغيرهم وقدم على الأشغال مدافع من الموالي العلوجي‏.‏ووكل أبو زيد بن أبي الأعلام من الموحدين بمصادرة ابن أبي الحسين على المال وامتحانه‏.‏ولم يزل يستخرج منه حتى ادعى الإملاق واستحلف فحلف ثم ضرب فادعى مؤتمناً من ماله عند قوم استكشفوا عنه فأدوه‏.‏ثم دل بعض مواليه على ذخيرة بداره دفينة فاستخرج منها زهاء ستمائة ألف من الدنانير فلم يقبل بعدها مقاله وبسط عليه العذاب إلى أن هلك في ذي الحجة من سنته ودفن شلوه بحيث لم يعرف مدفنه واستبد أبو الحسن الحببر على الدولة والسلطان وبعث أخاه أبا العلى والياً على بجاية وأسف المشيخة والبطانة بعتوه واستبداده وما يتحشمونه من مباكرة بابه إلى أن عاد وبال ذلك على الدولة كما نذكره‏.‏

  الخبر عن إجازة السلطان أبي إسحاق من الأندلس ودخول أهل بجاية في طاعته

كان السلطان المستنصر قد عقد على بجاية سنة ستين لأبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي وأدال به من أخيه الأمير أبي حفص فأقام والياً عليها إلى أن هلك ببني ورا سنة ثلاث وسبعين كما ذكرناه‏.‏وعقد عليها من بعده لابنه محمد فكان له غناء في ولايته واضطلع بأمره إلى أن هلك المستنصر وولى ابنه الواثق فبادر إلى إيتاء طاعته وبعث وفد بجاية بيعتهم‏.‏ثم قلد أبو الحسن الحببر القائم بالدولة أخاه إدريس ولاية الأشغال ببجاية فقام بها واقتنى الأموال وتحكم في المشيخة‏.‏وأنف محمد بن أبي هلال من استبداده عليه فهم إدريس بنكبته فخشي محمد بن أبي هلال بادرته وداخل بعض بطانته في قتله‏.‏وفاوض الملك فيه فعدوا عليه لأول ذي القعدة سنة سبع وسبعين بمقعده من باب السلطان فقتلوه ورموا برأسه إلى الغوغاء والزعانف فعبثوا به‏.‏ووافق ذلك حلول السلطان أبي إسحاق بتلمسان وكان عند بلوغ الخبر إليه بمهلك أخيه المستنصر أجمع أمره على الإجازة لطلب حقه بعدما تردد برهة‏.‏ثم اعتزم وأجاز إلى تلمسان ونزل على يغمراسن ابن زيان فقام لمورده واحتفل في مبرته‏.‏وفعل أهل بجاية وابن أبي هلال فعلتهم وخشوا بوادر السلطان بالحضرة فخاطبوا السلطان أبا إسحاق وأتوه بيعتهم وبعثوا وفدهم يستحثونه للملك فأجابهم ودخل إليهم آخر ذي القعدة من سنته فبايعه الموحدون والملأ من أهل بجاية‏.‏وقام بأمره محمد بن أبي هلال‏.‏ثم زحف في عساكرة إلى قسطنطينة فنازلها وبها عبد العزيز بن عيسى بن داود فامتنعت عليه فأقلع عنها إلى أن كان من أمره ما نذكره‏.‏

  الخبر عن خروج الأمير أبي حفص بالعساكر للقاء السلطان أبي إسحاق

ثم دخوله في طاعته وخلع الواثق لما بلغ الخبر إلى الواثق ووزيره المستبد عليه ابن الحببر بدخول السلطان أبي إسحاق بجاية سرح العساكر إلى حربه وعقد عليها لعمه أبي حفص‏.‏واستوزر له أبا زيد بن جامع فخرج من تونس واضطرب معسكره ببجاية‏.‏وعقد الواثق على قسطنطينة لعبد العزيز بن عيسى بن داود لذمة صهر كانت له من ابن الحببر فتقدم إلى قسطنطينة ومانع عنها الأمير أبا إسحاق كما ذكرناه‏.‏ثم اضطرب رأى ابن الحببر في خروج الأمير أبي حفص وأراد انفضاض عسكره فكتب الواثق إلى أبي حفص ووزيره ابن جامع يغري كل واحد منهما بصاحبه فتفاوضا واتفقا على الدعاء للأمير أبي إسحاق وبعثوا إليه بذلك‏.‏واتصل الخبر بالواثق وهو بتونس منتبذاً عن الحامية والبطانة فاستيقن ذهاب ملكه وأشهد الملأ وانخلع عن الأمر لعمه السلطان أبي إسحاق غرة ربيع الأول من سنة ثمان وسبعين وتحول عن قصور الملك بالقصبة إلى دار الأقوري وانقرضت دولته وأمره‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏

  الخبر عن استيلاء السلطان أبي إسحاق على الحضرة

لما بلغ السلطان أبا إسحاق كتاب أخيه الأمير أبي حفص وابن جامع من باجة بادر مغذاً إليهم‏.‏ثم وافاه خبر انخلاع الواثق ابن أخيه بتونس فارتحلوا جميعاً وتسايل أهل الحضرة على طبقاتهم إلى لقائه وأتوه طاعتهم‏.‏ودخل الحضرة منتصف ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين ومحمد بن أبي هلال شيخ دولته‏.‏وعقد على حجابته لأبي القاسم ابن شيخ كاتب ابن أبي الحسين وعلى خطة الأشغال لابن أبي الحسن بن خلدون‏.‏كان مع وفد أبيه الحسن على الأمير أبي زكرياء من إشبيلية لذمة رعاها لهم بما كانت أم ولده أم الخلائف من هدايا ابن المحتسب أبي زكرياء محلهم‏.‏ورحل الحسن إلى المشرق ومات هنالك وبقي ابنه أبو بكر بالحضرة فاستعمله الأمير أبو إسحاق لأول دخوله في خطة الأشغال ولم يكن يليها إلا الموحدون كما قلناه‏.‏وعقد لفضل بن علي بن مزني على الزاب ولم يكن أيضاً يليها إلا الموحدون‏.‏لكن رعى لفضل بن مزني ذمة اغترابه معه إلى الأندلس فعقد له على الزاب ولأخيه عبد الواحد على بلاد قسطيلية‏.‏ثم تقبض على ابن الحببر وأمر باعتقاله ودفعه إلى موسى بن محمد بن ياسين للمصادرة والامتحان‏.‏ووجد مكان التمائم عليه طوابع وطلسمات مختلفة الأشكال والصور يسحر بها فيما زعموا مخدومه فحاق به وبالها‏.‏وكان شأنه في الامتحان والاستخلاف والهلاك بالعذاب شأن سعيد بن أبي الحسين منكوبه أيام دولته إلى أن هلك شهر جمادى الأولى من سنته والله لا يظلم مثقال ذرة‏.‏ولما اقتعد السلطان أبو إسحاق كرسي ملكه واستوثقت عرى خلافته تقبض على محمد بن أبي هلال وقتله لحين نكبته سنة ست وسبعين لما كان يتوقع منه من المكروه في الدولة وما

  الخبر عن مقتل الواثق وولده

لما انخلع الواثق عن الأمر وتحول إلى دار الأقوري فأقام بها أياماً وكان له ثلاثة من الولد أصاغر‏:‏ الفضل والطاهر والطيب فكانوا معه‏.‏ثم نفي عنه للسلطان أبي إسحاق أنه يروم الثورة وأنه داخل في ذلك بعض رؤساء النصارى الجند فأقلق السلطان مكان ترشيحه واعتقله بمكان اعتقال بنيه هو من القصبة أيام أخيه المستنصر‏.‏لم بعث إليهم لليلته فذبحوا جميعاً شهر صفر سنة تسع وتسعين‏.‏واستوسق له الأمر وأطلق من عنان الإمارة لولده إلى أن كان من شأنهم ما يذكر‏.‏

  الخبر عن ولاية الأمير أبي فارس ابن السلطان

أبي إسحاق على بجاية بعهد أبيه والسبب في ذلك كان للسلطان أبي إسحاق من الأبناء خمسة‏:‏ أبو فارس عبد العزيز وكان أكبرهم وأبو محمد عبد الواحد وأبو زكرياء يحيى وخالد وعمر‏.‏وكان السلطان المستنصر قد حبسهم عند فرار أبيهم إلى رياح في أيامه ببعض حجر القصر وأجرى عليهم رزقاً فنشئوا في ظل كفالته وجميم رزقه إلى أن استولى أبوهم السلطان أبو إسحاق على الملك فطلعوا بآفاقه‏.‏وطالت فروعهم في دوحه واشتملوا على العز واصطنعوا أهل السوابق من الرجال وأرخى السلطان لهم ظلهم في ذلك‏.‏وكان المجلي فيها كبيرهم أبو فارس بما كان مرشحاً لولاية العهد وكان ممن اصطنعه وألقى عليه رداء محبته في الناس وعنايته أحمد بن أبي بكر بن سيد الناس اليعمري وأخوه أبو الحسين لسابقة رعاها لهما وذلك أن أباهما أبا بكر بن سيد الناس كان من بيوت إشبيلية حافظاً بالحديث رواية له‏.‏ظاهرياً في فقهه على مذهب داود وأصحابه‏.‏وكانت لأهل إشبيلية خصوصاً من الأندلس وصلة بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص وبنيه منذ ولايته غرب الأندلس‏.‏فلما تكالب الطاغية على العدوة والتهم ثغورها واكتسح بسائطها‏.‏وأسف إلى قواعدها وأمصارها أجاز الأعلام وأهل البيوت إلى أرض المغربين وإفريقية‏.‏وكان قصدهم إلى تونس أكثر لاستفحال الدولة الحفصية بها‏.‏فلما رأى الحافظ أبو بكر اختلال أحوال الأندلس وقبح مصائرها وخفة ساكنها أجمع الرحلة عنها إلى ما كان بتونس من سابقته عند هؤلاء الخلفاء‏.‏فأجاز البحر ونزل بتونس فلقاه السلطان تكرمة وجعل إليه تدريس العلم بالمدرسة عند حمام الهوا التي أسستها أمه أم الخلائف‏.‏ونشأ بنوه أحمد وأبو الحسين في جو الدولة وحجر كفالتها للاختصاص الذي كان لأبيهم بها‏.‏وعدلوا عن طلب العلم إلى طلب الدنيا وتشوقوا إلى مراتب السلطان واتصلوا بأبناء السلطان أبي إسحاق بمكانهم من حجر القصر حيث أنزلهم عمهم بعد مذهب أبيهم فخالطوهم واستخدموا لهم‏.‏ولما استولى السلطان على الأمر ورشح ابنه أبا فارس العهد وأجراه على سنن الوزارة فاصطنع أحمد بن سيد الناس ونوه باسمه وخلع عليه لبوس كرامته‏.‏واختصه بلقب حجابته وأخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنده‏.‏ونفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا إسحاق بابنه وخوفوه شأنه‏.‏وإن أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة‏.‏وتولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قائد الكلاعي من علية الكتاب ووجوههم‏.‏كان يكتب العلامة يومئذ فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع وستين آخر ربيع استدعي إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبراً ووري شلوه ببعض الحفر‏.‏وبلغ الخبر إلى الأمير أبي فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر والخديعة بالدولة‏.‏وأماط سواده بيده ونجا أبو الحسين من هذه المهلكة‏.‏واعتقل في لمة من رجال الأمير أبي فارس وبطانته بعد أن توارى أياماً إلى أن أطلق من محبسه وكان من أمره ما نذكره بعد‏.‏واستبلغ السلطان في تأنيس ابنه ومسح الضغينة عن صدره وعقد له على بجاية وأعمالها وأنفذه إليها أميراً مستقلا‏.‏وأنفذ معه في رسم الحجابة جدي محمد ابن صاحب أشغاله أبي بكر بن الحسن بن خلدون فخرج إليها سنة تسع وستين وقام بأمرها إلى آخر دولته كما نذكره‏.‏

  الخبر عن ثورة ابن الوزير بقسطنطينة ومقتله

اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى ونسبته في كومية من بيوت الموحدين‏.‏كان مستخدماً لابن كلداسن الوالي بقسطنطينة بعد ابن النعمان من مشيخة الموحدين أيام المستنصر‏.‏ووفد ابن كلداسن على الحضرة وأقام ابن وزير نائباً عنه بقسطنطينة فكان له غناً وصرامة‏.‏وولاه السلطان حافظاً على قسطنطينة‏.‏واتصلت ولايته وهلك المستنصر واضطربت الأحوال‏.‏ثم ولاه الواثق ثم السلطان أبو إسحاق وكان ابن وزير هذا طموحاً جموح الأمل وعلم أن قسطنطينة معقل ذلك القطر وحصنه فحدثته نفسه بالامتناع بها والاستبداد على الدولة‏.‏وساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبي إسحاق واستعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل انحرافه عن الطاعة‏.‏وكتب هو بالاعتذار والنكير لما جاءوا به فتقبل وأغضى له عن هناته‏.‏ولما مر به الأمير أبو فارس إلى محل إمارته من بجاية سنة تسمع وسبعين قعد عن لقائه وأوفد عليه جمعاً من الصلحاء بالمعاذير والاستعطاف فمنحه من ذلك كفاء مرضاته حتى إذا أبعد الأمير أبو فارس إلى بجاية اعتزم هو على الانتزاء‏.‏وكاتب ملك أرغون في جيش النصارى يكون معه في ثغره يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه ووعده ببعث الأسطول إليه فجاهر بالخلعان وانتزى بثغر قسطنطينة داعياً لنفسه آخر سنة ثمانين‏.‏وزحف إليه الأمير أبو فارس من بجاية في عساكره واحتشد الأعراب وفرسان القبائل إلى أن احتل بميلة‏.‏ووفد عليه مشيخة من أهل قسطنطينة بمكر من الرغبة والتوسل بعثهم بها ابن وزير فأعرض عنهم وصبح قسطنطينة في أول ربيع سنة إحدى وثمانين فنازلها وجمع الأيدي على حصارها‏.‏ونصب المجانيق وقرب مقاعد الرماة وقاتلها يوماً أو بعض يوم وتسور عليهم المعقل من بعض جهاته‏.‏وكان المتولي لتسوره حاجبه محمد بن أبي بكر بن خلدون وأبلى ابن وزير عند الصدمة حتى أحيط به وقتل هو وأخوه وأشياعهما ونصبت رؤوسهم بسور البلد‏.‏وتمشى الأمير في سكك البلد مسكناً ومؤنساً وأمر برم ما تثلم من الأسوار وبإصلاح القناطر‏.‏ودخل إلى القصر وبعث بالفتح إلى أبيه بالحضرة‏.‏وجاء أسطول النصارى إلى مرسى القل في مواعدة ابن وزير فأخفق مسعاهم وارتحل لأمير أبو فارس ثالثة الفتح إلى بجاية فدخلها آخر ربيع من سنته‏.‏

  الخبر عن قيادة أبناء السلطان العساكر إلى الجهات

كان السلطان يؤثر أبناءه بمراتب ملكة ويوليهم خطط سلطانه شغفاً بهم وترشيحاً لهم فعقد في رجب سنة إحدى وثمانين لابنه أبي زكرياء على عسكر من الموحدين والجند وبعثه إلى قفصة للإشراف على جهاتها‏.‏وضم مجابيها فخرج إليها وقضى شأنه من حركته وانصرف إلى تونس في رمضان من سنته‏.‏ثم عقد لابنه الآخر أبي محمد عبد الواحد على عسكره وأنفذه إلى وطن هوارة لاقتضاء مغارمهم وجباية ضرائبهم وفرائضهم وبعث معه عبد الوهاب ابن قائد الكلاعي مباشراً لذلك وواسطة بينه وبين الناس فانتهى إلى القيروان وبلغه شأن الدعي وظهوره في دباب بنواحي طرابلس فطير بالخبر إلى السلطان وأقبل على شأنه‏.‏ثم انتشر أمر الدعي فأنكفأ راجعاً إلى تونس‏.‏

  الخبر عن صهر السلطان مع عثمان بن يغمراسن

كان السلطان لما أجاز البحر من الأندلس لطلب ملكه ونزل على يغمراسن بن زيان بتلمسان فاحتفل لقدومه وأركب الناس للقائه وأتاه ببيعته على عادته من سلفه لما علم أنه أحق بالأمر ووعد النصرة من عدوه والمؤازرة على أمره وأصهر إليه في إحدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان تشريفاً خطبه منه فولاه الإسعاف به‏.‏ولما استولى السلطان على حضرته واستبد بأحوال ملكه بعث يغمراسن ابنه إبراهيم المكنى بأبي عامر في وفد من قومه لإتمام ذلك العقد فاعتمد السلطان مبرتهم وأسعف طابتهم وأقاموا بالحضرة أياماً وظهر من إقدامهم في فتن الدعي مقامات وانصرفوا بظعينهم سنة إحدى وثمانين مجبورين محبورين‏.‏وابتنى بها عثمان لحين وصولها فكانت من عقائل قصورهم ومفاخر دولتهم وذكراً لهم ولقومهم آخر الأيام‏.‏

  الخبر عن ظهور الدعي ابن أبي عمارة وما وقع من الغريب في أمره

هو أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيلة ونشأ ببجاية وسيماً محترفاً بصناعة الخياطة غراً غمراً‏.‏وكان يحدث نفسه بالملك لما كان العارفون زعم يخبرونه بذلك‏.‏وكان هو بخط فيريه خطه ذلك‏.‏ثم اغترب عن بلده ولحق بصحراء سجلماسة واختلط بعرب المعقل وانتمى إلى أهل البيت وادعى أنه الفاطمي المنتظر عند الأغمار وأنه يحيل المعادن إلى الذهب بالصناعة فاشتملوا عليه وتحدثوا بشأنه أياماً‏.‏أخبرني طلحة بن مظفر من شيوخ العمارية إحدى بطون المعقل أنه رآه أيام ظهوره في المعقل ملتبساً بتلك الدعوى حتى فضحه العجز‏.‏ثم لما زهدوا فيه لعجز مدعاه ذهب يتقلب في الأرض حتى وصل إلى جهات طرابلس ونزل على دباب وصحب بينهم الفتى نصير مولى الواثق بن المستنصر وتلقب نوبى‏.‏ولما رآه تبين فيه شبهاً من الفضل ابن مولاه فطفق يبكي ويقبل قدميه فقال له ابن أبي عمارة‏:‏ ما شأنك فقص عليه الخبر فقال له‏:‏ صدقني في هذه الدعوى وأنا أثيرك من قاتلهم‏.‏وأقبل نصير على أمراء العرب منادياً بالسرور بابن مولاه حتى خيل عليهم‏.‏ثم لبس بما دس إلى ابن عمارة من محاورات وقعت بين العرب وبين الواثق قصها عليهم ابن أبي عمارة نفياً للريب بأمره فصدقوا واطمأنوا وأتوه بيعتهم‏.‏وقام بأمره مرعم بن صابر بن عسكر أمير دباب‏.‏وجمع له العرب ونازلوا طرابلس وبها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتي - ويشهر بعنق الفضة - فامتنعت عليهم ورحلوا إلى مجريس الموطنين بزنزور وجهاتها من هوارة فأوقعوا بهم‏.‏ثم سار في تلك النواحي واستوفى جبايته ولماية وزوارة وزواغة وأغرم نفوسه وغريان ومقر من بطون هوارة وضائع ألزمهم إياها واستوفاها‏.‏ثم زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكي في رجب سنة إحدى وثمانين وأعطاه صفقته طواعية وفاه بحق آبائه فيما طوقوه ذريعة إلى الاستقلال الذي كان يؤمله وأعلن بخلافته ونادى في قومه واستخدم له بني كعب من سليم ورياستهم إذ ذاك في بني شيحة لعبد الرحمن بن شيحة فأجابوا داعية وأنابوا إلى خدمته‏.‏وتوافت إليه بيعة أهل جربة والحامة وقرى نفزاوة‏.‏ثم زحف إلى توزر وبلاد قسطيلية فأطاعوه ثم رجع إلى قفصة فبايع له أهلها وعظم أمره وعلا صيته‏.‏فجهز إليه السلطان أبو إسحاق العساكر من تونس كما نذكره‏.‏

  الخبر عن انفضاض عساكر السلطان وتقويضه عن تونس

لما تفاقم أمر الدعي بنواحي طرابلس ودخل الكثير من أهل الأمصار في طاعته جهز السلطان عساكره وعقد لابنه الأمير أبي زكريا على حربه فخرج من تونس والقيروان واقتضى منها غرامات ووضائع واستأثر منها بأموال‏.‏ثم ارتحل إلى لقاء الدعي وانتهى إلى تمودة وبلغه هنالك ما كان من استيلاء الدعي على قفصة فأرجف العسكر وانفضوا من حوله‏.‏ورجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته وارتحل الدعي على أثره من قفصة واحتل بالقيروان فبايع له أهلها واقتدى بهم أهل المهدية وصفاقس وسوسة فبايعوا له وكثر الإرجاف بتونس فاضطرب السلطان معسكره بظاهر البلد وسط شوال‏.‏وضرب الغزو على الناس واستكثر من العدد وخرج إلى معسكره بالمهدية وتلوم بها لإزاحة العلل‏.‏وارتحل الدعي من القيروان زاحفاً فتسربت إليه طبقات الجنود ومشيخة الموحدين رضي بمكانه وصاغية إلى بني المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم ورحمة لما نال الواثق وأبناءه من عمهم‏.‏ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم الموحدين ولقي الدعي بطريقه فاختل أمر السلطان وانتقضت على ملكه وفر إلى بجاية كما نذكره‏.‏

  الخبر عن لحاق السلطان أبي إسحاق ببجاية

ودخول الدعي ابن أبي عمارة إلى تونس وما كان أمره بها ولما انفض معسكر السلطان أبي إسحاق آخر شوال من سنة إحدى وثمانين في خاصته وبعض جنوده ذاهباً إلى بجاية ومر بتونس فوقف عندها حتى احتمل أهله وولده وسار في كلب البرد فكان يعاني من قلة الأقوات وتعاور المطر والثلج شدة‏.‏يصانع القبائل في طريقه ببذل ماله‏.‏ثم مر بقسطنطينة فمنعه عاملها عبد الله بن يوقيان الهرغي من دخولها وقرب إليه بعض القرى من الأقوات وارتحل إلى بجاية فكان من أمره ما يذكر‏.‏ودخل الدعي ابن أبي عمارة إلى الحضرة وقلد موسى بن ياسين وزارته وأبا القاسم أحمد ابن الشيخ حجابته‏.‏وتقبض على صاحب الأشغال أبي بكر بن الحسن بن خلدون فاستصفاه وصاده على مال امتحنه عليه‏.‏ثم قتله خنقاً وصرف خطة الجباية إلى عبد الملك بن مكي رئي قابس‏.‏واستكمل ألقاب الملك وقسم الخطط بين رجال الدولة وصرف همه إلى غزو بجاية‏.‏

  الخبر عن استبداد الأمير أبي فارس بالأمر عند وصول أبيه إليه

لما وصل السلطان أبو إسحاق إلى بجاية شهر ذي القعدة من سنته طريداً عن ملكه عاطلا عن حلى سلطانه انتقض عليه ابنه الأمير أبو فارس ومنعه من الدخول إلى قصره فنزل بروض الرفيع وأراده على الخلع فانخلع له‏.‏وأشهد الملأ من الموحدين ومشيخة بجاية بذلك وأنزله قصر الكوكب ودعا الناس إلى بيعته آخر ذي القعدة فبايعوه وتلقب المعتمد على الله‏.‏ونادى في أوليائه من رياح وسدويكش‏.‏وخرج من بجاية زاحفاً إلى الدعي واستخلف عليها أخاه الأمير أبا زكريا‏.‏وخرج معه عمه الأمير أبو حفص وأخوته فكان من أمرهم ما نذكر‏.‏

  الخبر عن زحف الأمير أبي فارس للقاء الدعي ثم انهزامه أمامه

واستلحامه وأخوته في المعركة وما كان أثر ذلك من مهلك أبيهم السلطان أبي إسحاق وفرار أخيهم الأمير أبي زكرياء إلى تلمسان لما بلغ الخبر إلى الدعي باستبداد الأمير أبي فارس على أبيه واستعداده للقائه تقبض على أهل البيت الحفصي فاعتقلهم بعد أن هم بقتلهم‏.‏وخرج من تونس في عساكره من الموحدين وطبقات الجند في صفر سنة اثنتين وثمانين فانتهى إلى مرماجنة وتراءى الجمعان ثالث ربيع الأول فاقتتلوا علية يومهم‏.‏ثم اختل مصاف الأمير أبي فارس‏.‏وتخاذل أنصاره فقتل في المعركة وانتهب معسكره وقتل أخواته جميعاً صبراً‏:‏ عبد الواحد قتله الدعي بيده وعمر وخالد ومحمد بن عبد الواحد‏.‏وبعث برؤوسهم إلى تونس فطيف بها على الرماح ونصبت بأسوار البلد‏.‏ وتخلص عمه الأمير أبو حفص من الواقعة إلى أن كان من أمره ما نذكر‏.‏وبلغ خبر الواقعة إلى بجاية فاضطرب أهلها وماجوا بعضهم في بعض‏.‏وجمعهم قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن عتيق الجزائري للحديث في الشأن فتكالبوا وزجرهم ابنه فقتلوا‏.‏ثم أشخصوا القاضي إلى بلده في البحر‏.‏وخرج السلطان أبو إسحاق وابنه الأمير أبو زكرياء إلى تلمسان فقدم أهل بجاية عليهم محمد بن أسرعين قائماً فيهم بطاعة الدعي وخرج في أتباع السلطان فأدركه بجبل بني غبرين من زواوة فتقبض عليه ونجا الأمير أبو زكرياء إلى تلمسان وبقي السلطان أبو إسحاق ببجاية معتقلا ريثما بلغ الخبر إلى تونس وأرسل الدعي محمد بن عيسى بن داود فقتله آخر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وانقضى أمره ولله عاقبة الأمور‏.‏

  الخبر عن ظهور الأمير أبي حفص وبيعته

وما كان على أثر ذلك من الأحداث قد ذكرنا أن الأمير أبا حفص حضر واقعة بني أخيه مع الدعي بمرماجنة فخلص من المعركة راجلا ونجا إلى قلعة سنان معقل هوارة القريب من مكان الملحمة ولاذ به في ذهابه إلى منجاته ثلاثة من صنائعهم‏:‏ أبو الحسين بن أبي بكر بن سيد الناس ومحمد بن القاسم بن إدريس الفازازي ومحمد بن أبي بكر بن خلدون وهو جد المؤلف الأقرب‏.‏وربما كانوا يتناقلونه على ظهورهم إذا أصابه الكلال‏.‏ولما نجا إلى قلعة سنان تحدث به الناس وشاع خبر منجاته إليها‏.‏وكان الدعي قد أسف العرب وثقلت وطأته عليهم بما كان يسيء الملكة فيهم‏.‏فليوم دخوله شكى إليه الناس عيثهم فتقبض على ثلاثة منهم وقتلهم وصلبهم‏.‏ثم سرح شيخ الموحدين عبد الحق بن تافراكين لحسم عللهم وأوعز إليه بالإثخان فيهم فاستلى من لقي منهم‏.‏ثم تقبض على مشايخ بني علاق وأودع سجونه منهم نيفاً على ثمانين فساء أثره فيهم وتطلبوا أعياص البيت وتسامعوا بخبر الأمير أبي حفص بمكانه من قلعة سنان فدخلوا إليه وأتوه بيعتهم في ربيع سنة ثلاث وثمانين‏.‏وجمعوا له شيئاً من الآلة والأخبية وقام بأمره أبو الليل بن أحمد أميرهم‏.‏وبلغ الخبر إلى الدعي فداخلته الظنة في أهل دولته‏.‏وتقبض على أبي عمران بن ياسين شيخ دولته وعلى أبي الحسن بن ياسين وابن وانودين وعلى الحسين بن عبد الرحمن يعسوب زناتة فامتحنهم واستصفى أموالهم‏.‏ثم قتلهم آخراً وتوجع لهم الناس واضطرب أمر الدعي إلى أن كان ما نذكره‏.‏